الشيخ محمد رشيد رضا

460

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بتلك الكتب مع الايمان بما ذكر كل بحسب كتابه الا ان ينسخ بما بعده - هو الركن الخامس ، ومن فرق بين كتب اللّه ورسله فآمن ببعض وكفر ببعض كاليهود والنصارى لا يعتد بايمانه لأنه متبع للهوى فيه أو للتقليد الذي هو عين الجهل ، وقد وصف اللّه خاتم رسله وأمته التي هي خير الأمم بقوله آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ولولا التقليد الذي هو جهل وعمى ، أو التعصب واتباع الهوى ، لما كان يعقل ان يفهم أحد معنى النبوة والرسالة ويؤمن بموسى أو عيسى عن علم وبصيرة بذلك ثم يكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وعليهما وسلم ، فان سر الرسالة هو الهداية ولم يكن موسى ولا عيسى أهدى من محمد عليهم صلوات اللّه وسلامه أجمعين ، فمن يكفر باللّه أو بملائكته أو ببعض كتبه أو رسله أو اليوم الآخر فقد ضل عن صراط الحق الصحيح الذي ينجي صاحبه في الآخرة من العذاب الأليم ، ويمتعه بالنعيم المقيم ، لأنه إذا كفر ببعض تلك الأركان بجحود أصله وانكاره البتة كانت حياته في هذه الدنيا حيوانية محضة ، لا يزكي نفسه ولا يعد روحه للحياة الباقية الأبدية ، وان كفر ببعض الكتب والرسل كان كفره بها دليلا على أنه لم يؤمن بشيء منها إيمانا صحيحا مبنيا على فهم معناها والبصيرة بحكمتها كما بينا ذلك آنفا ، وكل ذلك من الضلال البعيد عن طريق الهداية ومحجة السلامة ، وانما بعده عنها جهل صاحبه لوجودها ، ومن جهل وجود الشيء لا يطلبه بالبحث عن بيناته ، وطلب أعلامه وآياته ، واما من ضل عن الشيء وهو يؤمن بوجوده ، فإنه يبحث عنه ويستدل عليه حتى يصل اليه ، فيكون ضلاله قريبا . ووصف الضلال بالبعيد من أبلغ الوصف وأعلاه . وقد وحد لفظ الكتاب في أول الآية ليناسب لفظ الرسل المفرد ، وجمعه في آخرها ليناسب جمع الرسل . * * * ( 136 : 136 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ( 137 : 137 ) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 138 : 138 ) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ